بالنسبة لي، إحدى أعظم متع السفر هي اللقاءات الشخصية مع الفن والهندسة المعمارية العظيمة – والتي جمعتها في كتاب بعنوان أفضل 100 تحفة فنية في أوروبا. وهنا واحدة من المفضلة:
لا يوجد مكان آخر تتألق فيه روعة الحضارة المغاربية بشكل جميل أكثر من قصر الحمراء – هذا القصر المغاربي الأخير والأعظم في أوروبا.
لمدة سبعة قرون (711-1492)، كان جزء كبير من إسبانيا مسلمًا، ويحكمها المغاربة الإسلاميون من شمال إفريقيا. وبينما كانت بقية أوروبا تمضي في سبات خلال العصور المظلمة، ازدهرت إسبانيا تحت الحكم المغاربي. وكانت الذروة في قصر الحمراء – وهو مجمع مترامي الأطراف من القصور والحدائق على قمة تلة في غرناطة. وأبرز ما في الأمر هو قصر بالاسيوس الناصري الرائع، حيث عاش السلاطين وعائلاتهم وعملوا وعقدوا البلاط.
تدخل من خلال ساحة الآس العطرة، إلى عالم من الغرف المزخرفة، و”الهوابط” الجصية، والنوافذ المخرمة، والنوافير المتدفقة. كان الماء – وهو نادر وثمين جدًا في العالم الإسلامي – أنقى رمز للحياة. تم تزيين قصر الحمراء بالمياه، والماء في كل مكان: ساكن، ومتتالي، ويخفي المحادثات السرية، ويتساقط بشكل هزلي.
أثناء استكشافك لمتاهة الغرف، يمكنك بسهولة أن تتخيل السلاطين وهم يدخنون الشيشة، ويسترخون على الوسائد والسجاد الفارسي، مع ستائر ثقيلة على النوافذ والبخور المشتعل من المصابيح. الجدران والأسقف مغطاة بأنماط معقدة منحوتة من الخشب والجص. (إذا كانت أنماط قصر الحمراء المتشابكة تبدو إيشيريسكية، فقد فهمت الأمر بشكل عكسي: استلهم الفنان إم سي إيشر من قصر الحمراء). ولأن الفنانين المسلمين تجنبوا صنع صور للكائنات الحية، فقد قاموا بزخرفتها بالخط العربي – من خلال نحت أحرف متموجة باللغة العربية، واقتباس الشعر والآيات من القرآن. عبارة واحدة – “لا غالب إلا الله” – تكررت 9000 مرة.
حدائق جينيراليف – ذات التحوطات المشذبة، والمسابح العاكسة، والنوافير المرحة، والقصر الصيفي المنعش – هي المكان الذي أخذ فيه السلاطين استراحة من حياة القصر. وكان مهندسها، بطريقة ما، هو القرآن، الذي يقول أن الجنة مثل واحة خضرة، وأن “الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيدخلون جنات تجري من خلالها الأنهار” (القرآن 22.23).
سُميت ساحة الأسود التي تم تصويرها كثيرًا في قصر الحمراء نسبةً إلى نافورة تضم 12 أسدًا رخاميًا. أربع قنوات تحمل المياه إلى الخارج – مجازيًا إلى زوايا الأرض وحرفيًا إلى شقق السلطان الخاصة. وكما تقول قصيدة محفورة على جدار قصر الحمراء، فإن النافورة تتدفق “بمياه صافية وضوح الشمس” مثل “البدر الذي يسكب ضوءه من سماء صافية”.
أكبر غرفة في القصر هي غرفة العرش المزخرفة – القاعة الكبرى للسفراء. هنا يستقبل السلطان، الجالس على عرشه تحت سقف مقبب من النجوم، الزوار. السقف، المصنوع من 8017 قطعة من الخشب المطعمة (مثل أحجية الصور المقطوعة العملاقة)، يوحي بتعقيد كون الله اللامتناهي.
تمثل غرفة العرش مرور الشعلة في التاريخ الإسباني. وهنا في عام 1492 استسلم آخر ملك مغاربي للمسيحيين. وهنا قال الملكان الجديدان، فرديناند وإيزابيلا، “Sí، Señor” لكريستوفر كولومبوس، ليبدأا رحلته إلى العالم الجديد الذي من شأنه أن يجعل إسبانيا غنية. لكن مجد قصر الحمراء استمر، مضيفًا أناقة ونعمة للفن الإسباني لعدة قرون قادمة.
واليوم، يقف قصر الحمراء بمثابة تذكير مثير للتفكير بالعالم المغربي الجميل الذي كان من الممكن أن يزدهر في جميع أنحاء أوروبا – لكنه لم يحدث.
اكتشاف المزيد من موقع أركاني- سياحة وسفر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
